كيف نحافظ على صحة الدماغ ونقوّي الذاكرة؟
الدماغ من أكثر أعضاء الجسم تعقيدًا، فهو المسؤول عن التفكير والتعلّم والذاكرة والحركة والمشاعر وتنظيم العديد من وظائف الجسم. ومع التقدم في العمر قد يلاحظ بعض الأشخاص تغيرًا في سرعة التذكر أو التركيز، لكن هذا لا يعني أن تدهور القدرات العقلية أمر حتمي. فهناك مجموعة من العادات اليومية التي يمكن أن تساعد على المحافظة على صحة الدماغ ودعم وظائفه على المدى الطويل.
مرونة الدماغ وقدرته على التكيف
من المفاهيم المهمة في علم الأعصاب ما يُعرف بـ المرونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على تعديل الاتصالات بين الخلايا العصبية والتكيف مع التعلم والخبرات الجديدة.
ولهذا السبب فإن تعلّم مهارة جديدة، وقراءة الكتب، وممارسة الأنشطة الذهنية، وتعلّم لغة جديدة، وحل المشكلات، والتفاعل الاجتماعي، كلها أنشطة يمكن أن تحفّز الدماغ وتجعله أكثر نشاطًا.
أما الحديث عن أن خلايا الدماغ تتجدد بمعدل محدد أو أن الدماغ يستطيع إعادة بناء نفسه بطريقة سريعة ومضمونة، فهو تبسيط زائد للموضوع؛ فعملية تكوّن خلايا عصبية جديدة لدى البالغين ما زالت موضوعًا للبحث العلمي، كما أن صحة الدماغ تعتمد على عوامل كثيرة وليس على تجدد الخلايا وحده.
النشاط البدني وصحة الدماغ
الحركة ليست مفيدة للعضلات والقلب فقط، بل ترتبط أيضًا بصحة الدماغ.
فممارسة النشاط البدني بانتظام تساعد على تحسين الدورة الدموية، وقد تدعم بعض جوانب الذاكرة والانتباه والوظائف التنفيذية. كما أن النشاط البدني يساهم في التحكم في عوامل تؤثر في الدماغ، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وزيادة الوزن.
ولا يشترط أن تكون الرياضة شديدة حتى تكون مفيدة. فالمشي السريع، وركوب الدراجة، والسباحة، والتمارين الهوائية، وتمارين القوة، كلها يمكن أن تكون جزءًا من نمط حياة صحي، بحسب قدرة الشخص وحالته الصحية.
النوم: فترة مهمة للذاكرة
النوم ليس مجرد وقت للراحة، فالدماغ يستمر في القيام بعمليات مهمة أثناء النوم.
وترتبط جودة النوم بعمليات التعلم وتثبيت بعض الذكريات وتنظيم الانتباه والمزاج. لذلك فإن قلة النوم المزمنة أو اضطراب النوم قد يؤثران في التركيز والقدرة على أداء المهام اليومية.
ومن المفيد الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة قدر الإمكان، وتوفير بيئة هادئة ومريحة للنوم، وتقليل استخدام الأجهزة الإلكترونية والمنبهات في الساعات القريبة من وقت النوم.
وإذا كان الشخص يعاني من الشخير الشديد أو توقف التنفس أثناء النوم أو النعاس المفرط خلال النهار، فمن المهم تقييم المشكلة طبيًا، لأن بعض اضطرابات النوم قد تؤثر في الصحة العامة والوظائف العقلية.
الغذاء ودعم وظائف الدماغ
يحتاج الدماغ إلى الطاقة والعناصر الغذائية حتى يؤدي وظائفه بصورة طبيعية، ولذلك فإن جودة النظام الغذائي تلعب دورًا مهمًا في الصحة العامة وصحة الدماغ.
يمكن أن يشمل النظام الغذائي المتوازن الخضروات والفواكه، والبقوليات، والحبوب الكاملة، والمكسرات والبذور، والأسماك، ومصادر البروتين المناسبة، مع الحد من الإفراط في الأطعمة شديدة التصنيع والسكريات المضافة والدهون غير الصحية.
وتحتوي الأسماك الدهنية، مثل السلمون والسردين، على أحماض أوميغا-3، ومنها DHA الذي يدخل في تركيب أغشية الخلايا العصبية. لكن تناول مكملات أوميغا-3 ليس بالضرورة مفيدًا لكل شخص، ولا ينبغي اعتباره علاجًا لمشكلات الذاكرة دون سبب طبي واضح.
الكولين وفيتامينات مجموعة B
يحتاج الجسم إلى الكولين لإنتاج مركبات مهمة، منها الأسيتيل كولين، وهو ناقل عصبي يشارك في الذاكرة والتعلم ووظائف عصبية أخرى.
ويمكن الحصول على الكولين من أطعمة مثل البيض والأسماك وبعض أنواع اللحوم والبقوليات، بحسب النظام الغذائي المتبع.
كما أن بعض فيتامينات مجموعة B، مثل B12 وحمض الفوليك، ضرورية للوظائف العصبية الطبيعية. ويمكن أن يؤدي نقص بعض هذه العناصر إلى مشكلات صحية وعصبية، ولذلك فإن معالجة النقص عند وجوده مهمة.
لكن تناول جرعات عالية من الفيتامينات أو المكملات دون الحاجة إليها لا يعني بالضرورة أن الذاكرة ستصبح أقوى. الأفضل أن يكون استخدام المكملات مبنيًا على الحاجة الغذائية أو التقييم الطبي.
ماذا عن الصيام والكيتونات؟
يهتم الباحثون بالعلاقة بين الصيام وعمليات الأيض وصحة الدماغ، كما أن الجسم أثناء فترات الصيام الطويلة أو انخفاض تناول الكربوهيدرات يمكن أن ينتج أجسامًا كيتونية تستخدم مصدرًا للطاقة.
لكن هذا لا يعني أن الصيام الطويل أو اتباع حمية شديدة الانخفاض في الكربوهيدرات سيؤدي حتمًا إلى تجديد خلايا الدماغ أو زيادة الذكاء والذاكرة.
قد يكون الصيام مناسبًا لبعض الأشخاص، لكنه ليس مناسبًا للجميع، خصوصًا لمن لديهم بعض الأمراض المزمنة أو يتناولون أدوية معينة. لذلك لا ينبغي استخدام الصيام الطويل كعلاج ذاتي لمشكلات الدماغ.
العلاقة بين الأمعاء والدماغ
هناك تواصل مستمر بين الجهاز الهضمي والدماغ، ويُعرف هذا بصورة عامة باسم محور الأمعاء والدماغ.
وتتفاعل الأمعاء مع الجهاز العصبي والمناعي والهرموني، كما تلعب الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء دورًا في هذه المنظومة.
لذلك فإن تناول الأطعمة الغنية بالألياف، مثل الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب الكاملة، يمكن أن يدعم صحة الجهاز الهضمي والميكروبيوم.
ومع ذلك، لا ينبغي تحويل العلاقة بين الأمعاء والدماغ إلى ادعاء بأن نوعًا واحدًا من الطعام أو مكملًا معينًا يمكنه علاج جميع مشكلات الذاكرة أو الأمراض العصبية.
هل القهوة مفيدة للدماغ؟
الكافيين الموجود في القهوة والشاي يمكن أن يزيد اليقظة والانتباه مؤقتًا لدى كثير من الأشخاص، ولهذا يشعر البعض بزيادة التركيز بعد تناول القهوة.
لكن تأثير الكافيين يختلف من شخص إلى آخر، وقد يؤدي الإفراط فيه إلى القلق أو خفقان القلب أو اضطراب النوم، خاصة إذا تم تناوله في وقت متأخر من اليوم.
لذلك فإن الاعتدال مهم، ويجب الانتباه إلى تأثير الكافيين على النوم، لأن تحسين اليقظة لفترة قصيرة لا يعوض الحرمان المزمن من النوم.
أهمية صحة القلب والأوعية الدموية
صحة الدماغ مرتبطة بشكل وثيق بصحة الأوعية الدموية.
فارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين وارتفاع الكوليسترول وقلة النشاط البدني وزيادة الوزن يمكن أن تؤثر في صحة الأوعية الدموية، وبالتالي قد تؤثر في الدماغ مع مرور الوقت.
ولهذا فإن المحافظة على ضغط الدم وسكر الدم والدهون في الحدود المناسبة، والامتناع عن التدخين، وممارسة النشاط البدني، والحفاظ على وزن صحي، كلها خطوات مهمة لحماية الصحة الدماغية.
ماذا عن التمارين الباردة والضوء والأشعة تحت الحمراء؟
هناك أبحاث تدرس تأثير التعرض للبرد وبعض أشكال العلاج بالضوء أو الضوء الأحمر والأشعة تحت الحمراء في جوانب مختلفة من صحة الإنسان والوظائف العصبية.
لكن هذه المجالات لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد الفوائد السريرية الفعلية، والجرعات المناسبة، ومن يمكن أن يستفيد منها.
لذلك لا ينبغي اعتبارها وسائل مؤكدة لتجديد خلايا الدماغ أو تحسين الذاكرة لدى الجميع.
تدريب الدماغ والتعلم المستمر
من أفضل الطرق العملية للحفاظ على نشاط العقل الاستمرار في التعلم.
يمكن للشخص أن يقرأ، أو يتعلم لغة، أو يمارس العزف، أو يشارك في أنشطة اجتماعية، أو يتعلم مهارة يدوية، أو يحل مسائل وألغازًا تتطلب التفكير.
والأهم هو التنوع والاستمرارية، وليس الاعتماد على لعبة واحدة أو تطبيق واحد باعتباره وسيلة مضمونة لمنع تراجع الذاكرة.
خطوات بسيطة لدعم صحة الدماغ
للحفاظ على صحة الدماغ، يمكن التركيز على مجموعة من العادات المتكاملة: ممارسة النشاط البدني بانتظام، الحصول على نوم كافٍ ومنتظم، تناول غذاء متوازن غني بالخضروات والفواكه والألياف، تناول مصادر مناسبة من البروتين والدهون الصحية، المحافظة على ضغط الدم وسكر الدم، تجنب التدخين، الحد من الإفراط في الكحول، الاستمرار في التعلم والنشاط الاجتماعي، ومعالجة أي نقص غذائي مثبت بدل تناول المكملات عشوائيًا.
والفكرة الأساسية هي أن صحة الدماغ لا تعتمد على مكمل واحد أو طعام سحري أو تمرين محدد، وإنما على مجموعة من العادات التي تعمل معًا على مدى سنوات.
كما أن ظهور تغيرات واضحة أو متزايدة في الذاكرة، أو صعوبة غير معتادة في أداء المهام اليومية، أو تغيرات مفاجئة في التفكير أو الكلام أو الحركة، يستدعي التقييم الطبي لمعرفة السبب بدل محاولة علاجه بالمكملات أو النصائح العامة فقط.
إن حماية الدماغ تبدأ غالبًا من حماية الجسم كله؛ فالنوم الجيد، والحركة، والغذاء المتوازن، وصحة القلب والأوعية الدموية، والنشاط العقلي والاجتماعي، كلها أجزاء من الصورة الأكبر لصحة دماغ أفضل على المدى الطويل.
#دكتور_سعيد_المحمدي , #تطبيق_معايير_سباهي , #اكاديمية_الجودة_للتدريب , #تنفيذ_المعارض_والفعاليات , #تطبيق_معايير_الجودة ,